فخر الدين الرازي

145

شرح عيون الحكمة

--> الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب » فذكر عذاب الدارين ، ذكرا صريحا لا يحتمل غيره . ومنها قوله تعالى : « فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون . يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون . وان للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون » وهذا يحتمل ان يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا ، وأن يراد به عذابهم في البرزخ - وهو أظهر - لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا . وقد يقال - وهو أظهر - : ان من مات منهم عذب في البرزخ ، ومن بقي منهم عذب في الدنيا بالقتل وغيره . فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ . ومنها قوله تعالى : « ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ، دون العذاب الأكبر ، لعلهم يرجعون » وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم « عبد اللّه بن عباس » على عذاب القبر ، وفي الاحتجاج بها شئ . لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعى به رجوعهم عن الكفر ، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن ، ولكن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه ( فهم ) منها عذاب القبر ، فإنه - سبحانه - أخبر أن له فيهم عذابين : أدنى وأكبر . فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ، ليرجعوا . فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها عذاب الدنيا ، ولهذا قال : « من العذاب الأدنى . فتأمله . وهذا نظير قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فيفتح له طاقة إلى النار ، فيأتيه من حرها وسمومها » ولم يقل : فيأتيه حرها وسمومها ، فان الذي وصل اليه بعض ذلك وبقي له أكثره . والذي ذاقه أعداء اللّه في الدنيا : بعض العذاب ، وبقي لهم ما هو أعظم منه . ومنها قوله تعالى : « فلو لا إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب اليه منكم . ولكن لا تبصرون . فلو لا ان كنتم غير مدينين ، ترجعونها ان كنتم صادقين . فأما ان كان من المقربين ، فروح وريحان وجنة نعيم . وأما ان كان من أصحاب اليمين . فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما ان كان من المكذبين الضالين . فنزل من حميم وتصلية جحيم . ان هذا لهو حق اليقين . فسبح باسم ربك العظيم » فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت ، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر . وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية . إذ هي أهم وأولى بالذكر ، وجعلهم عند